محمد حسين الذهبي
91
التفسير والمفسرون
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 210 ) من سورة البقرة ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يقول ما نصه ( . . . قال علي بن الحسين : طلب هؤلاء الكفار الآيات ولم يقنعوا بما أتاهم به منها بما فيه الكفاية والبلاغ ، حتى قيل لهم ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ) أي إذا لم يقتنعوا بالحجج الواضحة الدامغة ، فهل ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه ؟ وذلك محال ، لأن الإتيان على اللّه لا يجوز ، كذلك النواصب اقترحوا على رسول اللّه في نصب أمير المؤمنين على إماما ، واقترحوا . . حتى اقترحوا المحال وذلك أن رسول اللّه لما نص على على بالفضيلة والإمامة . وسكن إلى ذلك قلوب المؤمنين وعاند فيه أصناف الجاحدين من المعاندين ، وشك في ذلك ضعفاء من الشاكين ، واحتال في السلم من الفريقين من النبي وخيار أصحابه ومن أصناف أعدائه جماعة المنافقين ، وفاض في صدورهم العداوة والبغضاء ، والحسد والشحناء ، حتى قال قائل المنافقين : لقد أسرف محمد في مدح نفسه ، ثم أسرف في مدح أخيه على ، وما ذاك من عند رب العالمين ، ولكنه في ذلك من المتقولين ، يريد أن يثبت لنفسه الرئاسة علينا حيا ولعلى بعد موته ، قال اللّه تعالى : يا محمد ، قل لهم وأي شئ أنكرتم من ذلك ؟ هو عظيم كريم حكيم ، ارتضى عبادا من عباده ، قد اختصهم بكرامات ، لما علم من حسن طاعتهم ولانقيادهم لأمره ، ففوض إليهم أمور عباده ، وجعل إليهم سياسة خلقه بالتدبير الحكيم الذي وفقهم له : أفلا ترون لملوك الأرض إذا ارتضى أحدهم خدمة بعض عبيده ووثق بحسن اصطناعه بما يندب له من أمور ممالكه ، جعل ما وراء بابه اليه وأعتمد في سياسة جيوشه ورعاياه عليه ؟ كذلك محمد في التدبير الذي رفعه له ربه ، وعلى من بعده الذي جعله وصية وخليفته في أهله ، وقاضى دينه ومنجز عداته ، والموازر لأوليائه والمناصب لأعدائه فلم يقنعوا بذلك ولم يسلموا ، وقالوا : ليس الذي تسنده إلى ابن أبي طالب أمرا صغيرا انما هو دماء الخلق » ونساؤهم ، وأولادهم ، وأموالهم ، وحقوقهم ، وأنصباؤهم ، ودنياهم وأخراهم ، فلتأتنا بآية تليق بجلالة هذه الولاية ، فقال رسول اللّه : أما كفاكم نور على المشرق في الظلمات الذي رأيتموه ليلة خروجه